ابن قيم الجوزية
194
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أولياءه ورسله على أعدائهم ، وأن يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم ، ولا يضره ذلك شيئا ، وأنه القائم سبحانه على كل شيء : حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء . فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم ؟ وهي شهادة من اللّه سبحانه لهم ، بينها لعباده غاية البيان ، وأظهرها لهم غاية الإظهار ، بقوله وفعله ، وفي الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ . فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . . ومن أسمائه تعالى « المؤمن » وهو في أحد التفسيرين : المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم . فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه ، وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم ، قضاء وخلقا . فإنه سبحانه أخبر ، وخبره الصدق . وقوله الحق : أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية : ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسوله حق . فقال تعالى 41 : 53 سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي القرآن . فإنه هو المتقدم في قوله 41 : 52 قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ثم قال 41 : 53 أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ؟ . فشهد سبحانه لرسوله بقوله : أن ما جاء به حق ، ووعده أن يرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا . ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل ، وهو شهادته سبحانه على كل شيء . فإن من أسمائه « الشهيد » الذي لا يغيب عنه شيء ، ولا يعزب عنه ، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له ، عليهم بتفاصيله . وهذا الاستدلال بأسمائه وصفاته . والأول : استدلال بقوله وكلماته ، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته .